أعدم ستة آلاف مواطنا فرنسيا في ستة أسابيع فقط!
يعجب الإنسان عندما يبحر بين صفحات التاريخ فيري عجبا.. يري النفس البشرية علي حقيقتها عندما تتحول إلي وحش كاسر لا يشبع من سفك الدماء.. ولا يشبع بالتمثيل بالآخرين.. كل همه أن يظل في السلطة، ولو استدعي ذلك أن يسوق أقرب الناس إليه إلي الجيلوتين ‘المقصلة’ دون وازع من ضمير.. باسم العدالة.. وباسم الدفاع عن الثورة يفعل ذلك دون رحمة أو شفقة.. ودون أن يشعر بالخجل، ودون الإحساس بأنه من الممكن أن يساق إلي نفس المصير المؤلم الذي ساق إليه الآخرين.. إنه روبسبير سفاح الثورة الفرنسية!…
وبطل حكايتنا اسمه ماكسمليان روبسبير الذي ولد عام 1758م، ولم يعش سوي 36 عاما، وقد تولي حكم فرنسا بعد أن قتل (دانتون) بعد أن أعدم الملك لويس السادس عشر.
ورغم أنه تولي السلطة ثلاث سنوات، ثم انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد، إلا أن فرنسا عاشت في ظل حكمه أسوأ عصور الإرهاب والطغيان، وأصبح الإعدام يوميا بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس.
وقال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!
* * *
لقد كان روبسبير محاميا، واستطاع أن يبسط نفوذه، وكان متحمسا مثل بقية الثوار لآراء الفلاسفة الذين كانوا سببا في قيام الثورة الفرنسية، ومهدوا للقيام بها بأفكارهم: جاك جاك روسو، فولتير، ديدرو، ومونتسكيو، إلا أنه تنكر لهذه المبادئ عندما قامت الثورة الفرنسية وأعدمت الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت.. وقد ساعد علي قيام هذه الثورة الحالة الاقتصادية السيئة التي عاشتها فرنسا، بجانب الظلم المتمثل في الزج بالأبرياء في سجن الباستيل، وكان هذا الملك ضعيفا، ليست لديه القدرة علي اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.. ومن هنا فقد استيقظ الناس من كثرة الظلم الواقع علي اهلهم، ومن شعور الناس بعجز الملك وتحكم زوجته، فبدأت الثورة في 14 يوليو 1789م، وكان أول ما قامت به الجماهير الغاضبة هو تحطيم سجن الباستيل.
وكان اسم ‘ميرابو’ قد برز بين الناس عندما قال لمندوب الملك، وهو في الجمعية الوطنية¬ قل لسيدك¬ الملك¬ نحن هنا بأمر الشعب، ولن نتزحزح من أماكننا إلا علي أسنة الرماح!!
وعندما حاولت الملكيات في أوروبا أن تنقذ الملك لويس السادس عشر، أسرعت الثورة بالقبض علي الملك الذي حاول الهرب مع زوجته وإعدامها! وأعلنت الجمهورية سنة 1792م.
* * *
وتطورت الأحداث..
واستطاع المتطرفون من اليعاقبة (حزب الجبل) السيطرة علي الأمور، وكان روبسبير قد دخل هذا الحزب، ثم استطاع أن يسيطر عليه ويصبح هو الحاكم الحقيقي لفرنسا!
ورغم أنه كان نحيل الجسد، صغير الجسم، إلا أنه كان خطيبا مفوها يستطيع أن يسيطر علي الجماهير بحسن إلقائه وبالشعارات التي يطلقها.
ويقول عنه المؤرخ ه.ج.ويلز:
‘… أصبحت الثورة تحت سلطان زعيم متسلط شديد التعصب هو روبسبير.
ومن العسير علينا أن نفضي في هذا الرجل برأي، فإنه كان ضعيف البنية جبانا بفطرته، فقيرا مزهوا بنفسه، ولكنه أوتي ألزم الصفات لبلوغ القوة وهي الإيمان، فراح يعمل علي إنقاذ الجمهورية علي الصورة التي خيلها إليه تصوره، كما كان يتوهم أنه لا منقذ لها إلا شخصه هو، ومن ثم أصبحت عقيدته الراسخة أن بقاءه في الحكم هو السبيل لإنقاذ الجمهورية، وخيل إليه أن الروح الحي للجمهورية قد نشأ عن تذبيح الملكيين وإعدام الملك.
ثم تحدث عن محكمة الثورة وعملها، وكيف ابتدأ بذلك سيل منهمر من الذبح والتقتيل، وجاء اختراع المقصلة (الجيلوتين) في أنسب الأوقات لهذه النزعة الدموية، فأعدمت الملكة بالمقصلة، وكذلك أعدم معظم خصوم روبسبير بالمقصلة، وأعدم أيضا بالمقصلة كل كافر أنكر الكائن الأعلي (الذي اتخذه روبسبير ربا).
ويقول المؤرخ الكبير: وانقضت الأيام يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وهذه الآلة الجهنمية تحز الرؤوس بعد الرؤوس وتقول هل من مزيد!
ولا أخال إلا أن حكم روبسبير كان يعيش علي الدم، ولا يزال يطلب من المزيد منه فالمزيد، كمدمن الأفيون حيث يطلب منه المزيد فالمزيد، وأخيرا جاء دور روبسبير نفسه فعجزل وأجعدم بالمقصلة نفسها في صيف عام 1794م..
* * *
ولكن كيف كانت نهاية الطاغية؟
يقول المؤرخ الدكتور محمد متولي:
مضي روبسبير.. ذلك النمر الضاري.. دراكولا مصاص الدماء.. قضي علي نفسه بتطرفه واشتطاته، فقد أصدر في 10 يونيو سنة 1794م قانونا كان بمثابة السيف علي رقاب أعضاء المؤتمر الوطني الفرنسي.. بمقتضي هذا القانون حرم أعضاء المؤتمر من حصانتهم البرلمانية، وكان يهدف من وراء هذا القانون الإطاحة بكل من يرفع رأسه معارضا إياه، أو مخالفا أفكاره.. ولكنه نسي ما قد يصنعه الخوف في لحظة اليأس.. ذلك أن الشجاعة قد تدب حتى في قلب الجبان إذا ما اضطر إلي الدفاع عن نفسه.
وخشي أعضاء المؤتمر الذين وعوا دروس المقصلة جيدا.. خشوا علي أنفسهم ولذا دبرت مؤامرة ضد (روبسبير) وأعوانه، واتفق كل من (باراس دتاليان) متزعمين المؤامرة وهما من رجال الثورة اللذين كانا خائفين علي ما يفعله (روبسبير) ومن معه، لذلك عزما علي التخلص من هذا الطاغية.. وبدلا من استخدام الخطب والكلمات لإسقاطه استخدما نفس أسلحته.
القوة.. ومن ثم جهزا قوة عسكرية واقتحما بها دار البلدية التي كان بها روبسبير يحاول تبرير جرائمه وتدبير جرائم جديدة.
ونجحت إحدي الرصاصات التي أطلقت عليه في أن تصيب فكه، واقتيد وهو يقطر دما إلي المقصلة، كي يذوق نفس الكأس التي أذاقها الكثير من فرائسه.
ويعلق مؤرخنا علي هذا الحدث¬ الذي أطاح بهذا الطاغية الذي أحال حياة الناس في فرنسا إلي جحيم لا يطاق.. بسفكه الدماء وعدم التورع بإنزال العقاب.. وأقل العقاب عنده هو الإعدام بالمقصلة¬ بلا مبرر¬ عقب علي ذلك بقوله..
وهكذا انتهي هذا الكابوس المخيف الطويل، وزالت فجأة حمي التذبيح الممقوتة التي كلفت باريس وحدها ألفين وستمائة ضحية، وبقية أنحاء فرنسا أكثر من 30 ألف قتيل!!
لقد وجهوا له تهمة الخيانة العظمي، فانفض من حوله أنصاره وتركوه لمصيره المحتوم، وانتهي هوان الشعب الفرنسي بتخلصه من حكم الطاغية، وبدت روح الأمل تدب من جديد لإقامة مجتمع الحرية والإخاء والمساواة الذي افتقدته الجماهير بعد ظلام ليل طويل’.
* * *
وهكذا انتهت هذه الصفحة القاتمة التي ألقت ظلالها الكثيفة علي فترة من فترات التاريخ الفرنسي.. وكانت هذه الفترة من أحلك الفترات التاريخية، والتي كانت تعطي صورة لمختلف شعوب العالم، علي أن الطغيان لا يدوم، وأن السلطة التي تتخذ منه وسيلة لقمع الحريات، وترهيب الناس ستكون لها نهاية سيئة.. نهاية تساوي ما اقترفه الطغاة في حق شعوبهم من استبداد.. لأن الحق ينبثق دائما مهما كانت عتمة الطريق!!
مراجع
طغاة التاريخ.. د. محمود متولي
موجز تاريخ العالم.. ه.ج.ويلز
ترجمة عبدالعزيز توفيق جاويد
دوائر المعارف المختلفة..
منقــول
كان عباس بن ناصح، الشاعر الأندلسي، لا يَقْدم من المشرق قادمٌ إلا سأله عمَّن نَجَمَ هناك في الشعر، حتى أتاه رجل من التجار فأعلمه بظهور أبي نواس ، وأنشده من شعره قصيدتين؛ إحداهما قوله: جَرَيْتُ مع الصِّبا طَلـْقَ الجُمُوحِ والثانية: أما ترى الشمس حَلـَّت الحَمَلا فقال عباس : هذا أشعرُ الجن والإنس. واللّه لا حبسني عنه حابس. فتجهَّز إلى المشكان عباس بن ناصح، الشاعر الأندلسي، لا يَقْدم من المشرق قادمٌ إلا سأله عمَّن نَجَمَ هناك في الشعر، حتى أتاه رجل من التجار فأعلمه بظهور أبي نواس ، وأنشده من شعره قصيدتين؛ إحداهما قوله: جَرَيْتُ مع الصِّبا طَلـْقَ الجُمُوحِ والثانية: أما ترى الشمس حَلـَّت الحَمَلا فقال عباس : هذا أشعرُ الجن والإنس. واللّه لا حبسني عنه حابس. فتجهَّز إلى المشرق. فلما حلَّ بغداد نزل منزِلة المسافرين، ثم سأل عن منزل أبي نواس ، فأُرشـِد إليه، فإذا بقصر على بابه الخـُدَّام. فدخل مع الداخلين، ووجد أبا نواس جالسًا في مقعد نبيل، وحولَه أكثرُ متأدّبي بغداد، يجري بينهم التمثل والكلام في المعاني. فسلّم عباس وجلس حيث انتهى به المجلس، وهو في هيئة السفر. فلما كاد المجلس ينقضي، قال له أبو نواس : مَن الرجل؟ قال: باغي أدب. قال: أهلاً وسهلاً. من أين تكون؟ قال: من المغرب الأقصى . وانتسب له إلى قرطبة. فقال له : أَتَرْوي من شعر أبي المخشيّ شيئًا؟ قال : نعم. قال : فانشِدني. فأنشده شعره في العمى. فقال أبو نواس : هذا الذي طَلَبَتْه الشعراء فَأَضَلَّتْه. أنشـِدني لأبي الأجرب . فأنشده. ثم قال : أنشدني لبكْر الكنانيّ . فأنشده. ثم قال أبو نواس : شاعر البلد اليوم عباسُ بن ناصح؟ قال عباس : نعم. قال : فأنشِدني له. فأنشده: فَأَدْتُ القَريض ومَنْ ذا فَأَدْ فقال أبو نواس : أنت ع باس ؟ قال : نعم! فنهض أبو نواس إليه فاعتنقه إلى نفسه، وانحرف له عن مجلسه. فقال له مَن حضَر المجلس: من أين عرفَته أصلحك اللّه؟ قال أبو نواس : إني تأمّلته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يُبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح. فلما أنشدني لنفسه استَبَنْتُ عليه وَجْمَةً، فقلت: إنه صاحبُ الشِّعر !رق. فلما حلَّ بغداد نزل منزِلة المسافرين، ثم سأل عن منزل أبي نواس ، فأُرشـِد إليه، فإذا بقصر على بابه الخـُدَّام. فدخل مع الداخلين، ووجد أبا نواس جالسًا في مقعد نبيل، وحولَه أكثرُ متأدّبي بغداد، يجري بينهم التمثل والكلام في المعاني. فسلّم عباس وجلس حيث انتهى به المجلس، وهو في هيئة السفر. فلما كاد المجلس ينقضي، قال له أبو نواس : مَن الرجل؟ قال: باغي أدب. قال: أهلاً وسهلاً. من أين تكون؟ قال: من المغرب الأقصى . وانتسب له إلى قرطبة. فقال له : أَتَرْوي من شعر أبي المخشيّ شيئًا؟ قال : نعم. قال : فانشِدني. فأنشده شعره في العمى. فقال أبو نواس : هذا الذي طَلَبَتْه الشعراء فَأَضَلَّتْه. أنشـِدني لأبي الأجرب . فأنشده. ثم قال : أنشدني لبكْر الكنانيّ . فأنشده. ثم قال أبو نواس : شاعر البلد اليوم عباسُ بن ناصح؟ قال عباس : نعم. قال : فأنشِدني له. فأنشده: فَأَدْتُ القَريض ومَنْ ذا فَأَدْ فقال أبو نواس : أنت ع باس ؟ قال : نعم! فنهض أبو نواس إليه فاعتنقه إلى نفسه، وانحرف له عن مجلسه. فقال له مَن حضَر المجلس: من أين عرفَته أصلحك اللّه؟ قال أبو نواس : إني تأمّلته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يُبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح. فلما أنشدني لنفسه استَبَنْتُ عليه وَجْمَةً، فقلت: إنه صاحبُ الشِّعر !
اسمه موهنداس غاندي ولقبه (المهاتما).. لقب به فيما بعد ومعناه الروح الكبير. ولد في 2 اكتوبر سنة 1869 من أسرة عريقة، وتعلم في الهند ودرس القانون في انجلترا. وتزوج وهو في سن الثالثة عشرة من عمره… ، وعندما أتم دراسته في القانون عاد الي الهند ليعمل محاميا، ثم اتجه الي (دربان) في جنوب افريقيا، حيث شاهد التفرقة العنصرية علي أشدها، وشاهد كيف يعامل الهنود بازدراء، وشاهد بنفسه كيف تلعب التفرقة العنصرية دورا خطيرا في حياة الناس، ومر هو نفسه بتجربة عندما قطع تذكرة بالدرجة الأولي في احدي القطارات، واستاء البيض من ذلك واستدعوا له البوليس حيث أجبر علي مغادرة القطار!! وظل غاندي قرابة العشرين عاما في جنوب افريقيا يدافع فيها عن حقوق الهنود، ويندد بالتفرقة العنصرية، خاصة عندما كان يعود الي الهند ويكتب المقالات في الصحف منددا بهذه التفرقة العنصرية، ولمع اسم غاندي في الجنوب الافريقي، وأحبه الهنود، بينما كان البيض يهاجمونه بعنف، وماأكثر ما اعتدي عليه اعتداء بدنيا، ولكن لم يحفل بذلك، وظل ينادي بالحرية ويندد بهذه التفرقة العنصرية، وأن الانسان قيمته في ذاته وليس في لون جلده وأنه يمكن عن طريق المقاومة الروحية.. عن طريق الحب لا العنف. وعن طريق المقاومة السلبية ان يحقق نتائج ايجابية هائلة.. فإذا كانت القوانين جائرة مثلا فلا ينبغي إطاعتها أو تنفيذها، مما يضطر الحكومة الي محاول تصحيح هذه القوانين. عاد غاندي إلي الهند عام 1914 ليواجه عدوا أكثر شراسة وهو الاستعمال الانجليزي الذي يعبث في أرض الهند فسادا، ويحتكر ثرواته، ليعيش الانسان الهندي تحت خط الفقر. وبدأ غاندي ينشر مبادءه في العمل علي مقاومة الاستعمار بالاستغناء عن السلع الانجليزية، والاكتفاء بما هو ضروري للحياة، وتحسين وضع طبقة المنبوذين وحدث ان أصدرت الحكومة قرارا بأن يشتري الناس ‘الملح’ من الذي تنتجه الحكومة ومنع الناس من تداول الملح التي تنتجه الجهات المحلية، فما كان من غاندي ان أعلن رفضه لهذا القانون الجائر، واتجه نحو البحر في مسيرة ضمت آلاف من الهنود، وكان البحر يبعد أكثر من مائتي ميل، وبالطبع تابع العالم هذه المسيرة الضخمة، وسمع الضمير العالمي كله بما يفعله الاستعمار في الهند، ولم يأبه بما حدث له بعد ذلك حيث سجن، فإن كل مايهمه أن يعلن للعالم كله مدي سخف القوانين الاستعمارية، حيث أنها تريد ان تحتكر الملح، والملح ملك للجميع، ويمكن استخراجه بسهولة ويسر. وواصل المهاتما غاندي كفاحه المرير ضد الاستعمار، بالخطب النارية، وبالقدوة حيث أنه كان يكنف أن يلبس ثوبا صنعه بنفسه من القطن أو الصوف وماكان يؤرقه شيء كما يؤرقه الوقيعة التي حاول الاستعمار ان يفرق بها بين المسلم والهندوكي والمسيحي. لقد قرأ الرجل القرآن الكريم وأعجب بشخصية الرسول وخاصة عندما قرأ عنه ماكتبه ‘كارليل’ في كتابه ‘الابطال’. وقرأ الرجل الانجيل وعرف مافيه من دعوة الي الحب والتسامح. كما آمن الرجل بالهندوكية وكان يقول ان الهندوكية تقسم الناس الي طبقات أربع هي: البراهمة وهي العلماء، والكاشتيريا وهم العسكريون، والفيشيا وهم التجار، والسادورا وهم الصناع اليدويون، ولكنها لاتخلق منهم معسكرات لتتطاحن علي طريقة الماركسيين، وانما لتتعاون، ولتعلم الناس ان لكل دورا لايصح معه أحد أن يباهي الآخرين. *** لقد قاد المهاتما غاندي الهند نحو الاستقلال والحرية باقتدار شديد، ومن خلال فلسفة غاية في البساطة: المقاومة السلبية والعمل والنضال. وسرعان ما التف حول كل الهنود. وسرعان ماذاع اسمه في كل انحاء العالم كرمز للمقاومة المستنيرة للاستعمار.. وبدأ زعماء العالم يعرفون من هو غاندي.. ذلك المحامي الذي ابتكر أسلوبا جديدا للمقاومة لاتستطيع مقاومته أساطيل انجلترا ولاجيوشها المنظمة، ولا أسالبيها في البطش وكبت الحريات. وكان غاندي يعرف أن نهاية نضاله معروفة ولاشك في النتائج التي ستؤدي إليها سياسته وهي الاستقلال. وأن الهند علي عتبة الحرية، وأنه ليس هناك قوة في العالم.. وليس الامبراطورية التي لاتغرب عن ممتلكاتها الشمس قادرة علي وقف هذا الزحف المقدس نحو الحرية والاستقلال. وكان يوقن تماما بعد ان التف حوله الهنود وأصبح حوله العديد من تلاميذه المرموقين من أمثال نهرو أن الهند سوف تتحرر من ريقة الاستعمار البغيض، وأنها ستكون قدوة للبلاد الأخري الرازحة تحت نبر الاستعمار كي تتحرر هي الأخري وتزخذ مكانتها بين الأمم والشعوب الحرة. ومع كل ذلك كان يؤرقه محاولة الوقيعة بين الهندوس والمسلمين، ولم يكن يعرف يومها أنه سيكون هو نفسه ضحية التعصب الأعمي الغبي البغيض. *** وجاءت النهاية ولنأخذ هذه اللوحة التي رسمها فتحي رضوان لهذه النهاية: في الساعة الرابعة والنصف من مساء ذات ليلة أو بعد ذلك بدقائق قليلة، كان غاندي في قصر (بيرلا) يتحدث مع السردار باتل نائب رئيس وزراء الهند، ولكن قطع حديثه ونظر الي ساعته المدلاة من الشملة القطنية التي يلتحف بها وقال لمحدثه: دعني أذهب.. ثم أردف: إنها ساعة الصلاة. ثم قام ونهض معتمدا علي كتفي حفيدتي أخته، الآنستين آفا ومانو، وسار الي المنصة التي اختارها ليشرف منها علي جموع المصلين الذي ألفوا أن يشاركوه الصلاة ثم صعد في بطيء الدرجات الثلاثة المؤدية الي المنصة، فتقدم اليه شاب قصير ممتليء يرتدي سراويل رمادية، وصدارة صوفية (بلوفر) زرقاء وسترة صفراء، ثم ركع عند قدمي غاندي، ووجه إليه الخطاب قائلا: لقد تأخرت اليوم عن موعد الصلاة فأجاب المهاتما: نعم قد تأخرت. ولم يكن هذا الشاب سوي ناثورام فنياك جودس محرر جريدة (هندور اشترا) المتطرفة، التي لم تكف عن اتهام غاندي بخيانة قضية الهندوكيين بتسامحه مع المسلمين، ولم يكد يتم المهاتما هذه الجملة القصيرة حتي انطلقت ثلاث رصاصات، لا أربعة، من مسدس برتا صغيرة، أصابت اثنتان منهما بطنه، والثلاثة صدره، وحتف غاندي: ‘أي رام.. أي رام’ ثم سكت ولم يتكلم ولم يكن رام هذا الذي كان اسمه اخر ماجري علي شفتي هذا الانسان الخالد، سوي بطل من أبطال القصص الدينية تقص سيرته كنموذج رفيع للتضحية وبذل النفس. وبعد ثمان وعشرين دقيقة كانت هذه الروح العظيمة قد انطلقت من إسار البدن، ولم يبق فيها سوي هذا الجسم الصغير الناحل، الذي احتمل من مشاق الدنيا، مالم يحتمله أحد في العصر الذي عشناه، وسجي الجثمان الذي كان رمزا علي فكرة ومبدأ، في شرفة، وأضيئت الي جانب رأسه، خمس شمعات تمثل العناصر الخمس: الهواء، والضوء، والماء، والأرض، والنار. وفي لحظات انطلق النبأ، بلا أسلاك، ولا تليفونات، ولابرقات الي الهند بأسرها، وكان شعور الخجل، هو أقوي ما استولي علي مشاعر الهنود، ثم العالم بأسره ثم جاء في أثره شعور عميق بالحزن، وقد قص الصحفيون من أنباء الحزن قصصا لاتنتهي، وذكروا منها ان عروسين كانا قد تهيأ للزفاف، فلم يكد يصدمهما النبأ الفاجع حتي وقفا مراسيم الزواج وذهب كل منهما الي بيته ليشارك الأمة في حزنها القومي وليشارك الانسانية في حدادها الانساني. ويقول الاستاذ فتحي رضوان بعد ان يستعرض كفاحه في جنوب أفريقيا وفي الهند. كانت وفاة غاندي وفاة رمزية حقا، ويزيد في دلالة رمزها أن غاندي كان في الليلة السابقة يرتل نشيدا ذائعا في بلده بورباندر التي ولد فيها منذ 79 عاما مضت وقد جري مطلع النشيد: ‘هذه دنيا غريبة.. فالي متي سألعب فيها لعبة الحياة’. وقد قتل غاندي برصاص مسدس، وقد كان يكره الآلات، ويلعن الحضارة الاوربية أو الغربية ويتهمها بأنها بلا قلب لأن قلبها من حديد، وكان يقول أن نكبة الهند ليس أصلها احتلال بريطانيا، إنما أصلها احتلال الحضارة الغربية لأن المستعمرين هم ضحايا هذه الحضارة التي تعبد إله الذهب، ولاتدين إلا بالآلة التي تزيد متع الحياة فتزيد الانسان شرها، فتزيد حياته نصبا وهما. لقد اغتيل المهاتما.. ولكن أفكاره وتاريخه سوف يظل نور هداية لكل من يريد أن يعرف معني الحرية.. ومعني الاستقلال!! *** مراجع عظماء الشرق: فتحي رضوان وآخرون رجال عظام ونساء عظيمات: ليزلي ليفيت ترجمة: مختار السويفي
كانت كليوباترا حاكمة لمصر، وقد تدعم سلطانها بفضل مساندة يوليوس قيصر لها، والذي كانت قد تزوجته وانجبت منه ‘قيصرون’.. عادت الي مصر وهي ترقب الصراع الدائر بين انطونيو واكتافيوس بعد مصرع قيصر… وكانت الاسكندرية عاصمة مصر من أجمل موانيء البحر الابيض المتوسط، ويسكنها عدد كبير من اليونان، وكان عدد سكانها يربو عن المليون، كما كانت القصور الملكية التي تتخللها الحدائق والمنتزهات تحتل خمس هذه المدينة الجميلة. ولم تلبث كليوباترا في حكم مصر الا قليلا، حتي جاءتها رسالة من انطونيو يستدعيها لكي يعرف موقفها وكان انطونيو له صلة قرابة بيوليوس قيصر كما كان متزوجا من أخت اكتافيوس. وتوجهت كليوباترا لمقابلة انطونيوس في ‘كيلكية’.. لقد ركبت سفينتها وفيها بعض حاشيتها وعندما وصلت بالقرب من وجود انطونيو وعلم بوجودها دعاها للعشاء معه، ولكنها اخبرت الرسول التي جاء من قبل انطونيو انها هي التي تدعوه الي العشاء في سفينتها.. وقبل انطونيو الدعوة. وعندما دخل السفينة هاله ما فيها من ترف وفخامة، وهاله أكثر وأكثر كليوباترا نفسها.. في جمالها.. وبساطة حديثها، ورقة صوتها، وجاذبيتها التي لا تقاوم. وعندما دعته الي مائدة العشاء هاله الطعام وألوان الشراب المقدم له علي ضوء آلاف الشموع. وشعر انطونيو بجاذبية كليوباترا وعلق قلبه بها، كما شعرت كليوباترا أن مصيرها قد ارتبط بهذا القائد الروماني الشهير. وبعد هذه المقابلة لم يعد يفترق عنها، ولم تعد تفترق عنه! *** لقد كان حبها لانطونيو هو الحب الحقيقي، وكان حبها لقيصر لأسباب المصلحة. واحتدم النزاع بين انطونيو واكتافيوس.. كان اكتافيوس قد استولي علي الجزء الغربي من الامبراطورية الرومانية، بينما كان الجزء الشرقي من نصيب انطونيو. وكان كل منهما يريد أن يستأثر بالامبراطورية ويصبح سيد العالم. وهاهي كليوباترا قد انحازت لانطونيو، بل لقد أصبح حبها الذي ملأ عليها جوانب حياتها، ولم تعد تستغني عنه، وكذلك أصبحت هي كل الدنيا لانطونيو. وكان لابد أن يحدث الصراع والصدام بين العدوين اللدودين، خاصة أن انطونيو قد هجر زوجته وهي أخت اكتافيوس في سبيل كليوباترا. *** مهما يكن من شيء وبعيدا عن خيال الادباء والشعراء، فان التاريخ يقول لنا أن انطونيو قد هام بها حبا، وانها هي الاخري وقعت في حبه، وأن هذا الحب هو الذي رسم النهاية المأساوية لحياتهما. فانطونيو الذي أولع بها لم يفارقها عشر سنوات الا مرة واحدة عندما ذهب في حملة عسكرية في احدي الجهات في أسيا مما افقده الكثير.. فقد تخلي عن طموحاته في تكوين امبراطورية ضخمة أو علي الاقل يمكنه أن يتغلب علي خصمه اللدود اكتافيوس، ولكنه اكتفي أن يعيش بين أحضان كليوباترا. ويقول بعض المؤرخين أن كليوباترا بجانب حبها لانطونيو، الا انها كانت تطمع في أن تكون سيدة العالم عن طريق سيطرتها علي الامبراطورية الرومانية، بل هي التي فرضت انطونيو علي أن يتحرش باكتافيوس حتي يمكنها أن تسيطر علي ممتلكاته الرومانية، وبذلك تصبح سيدة العالم!.. كما كان يحلم يوليوس قيصر. *** وكان لابد من الصدام بين القائدين الكبيرين.. وحدث هذا الصدام. وعلم انطونيو بأن أسطولا هائلا لاكتافيوس يتجه صوب المياه المصرية، وكان علي انطونيو أن يقابل هذا الاسطول، وأن يشتبك معه في معركة فاصلة.. وخرج باسطوله هو الآخر ومعه كليوباترا والتقي الاسطولان واحتدم القتال بينهما، واظهر انطونيو شجاعة منقطعة النظير في القتال. ولاحظت كليوباترا أن الغلبة سوف تكون لاكتافيوس، فانسحبت باسطولها عائدة الي الاسكندرية. وكاد انطونيو أن يجن من تصرف كليوباترا، وبدلا من أن يواصل القتال حتي يحرز النصر النهائي أو يموت كقائد شجاع في المعركة، فر هو الآخر من ميدان القتال في أثر كليوباترا. وكان من الطبيعي أن ينهزم جيش انطونيو بعد أن ترك القائد ساحة المعركة وفر الي الاسكندرية متعقبا خطي حبيبته! و… تحطم اسطول انطونيو في هذه المعركة الحاسمة معركة اكتيوم! رجع انطونيو الي الاسكندرية يبحث عن كليوباترا فلم يعثر لها علي أثر.. كانت كليوباترا قد اشاعت في الاسكندرية انها انتحرت! وسمع انطونيو أن كليوباترا قد انتحرت وغادرت الحياة، فقرر هو الآخر أن يضع نهاية لحياته بأن غرس السيف في بطنه ومات. وبدأت جحافل جيش اكتافيوس تدخل الي الاسكندرية تبحث عن انطونيو، ولما علم اكتافيوس أن غريمه قد انتحر، وضع السيف في جرابه.. لقد انتهت الحرب! وجاء الي كليوباترا من يخبرها بهذه الاحداث، وشعرت بالحزن والاسي يعتصرها من الاعماق. لقد زال ملكها.. وزال مجدها.. بل انها سوف تصبح أسيرة تساق بين الاسري في شوارع روما.. وأثرت الانسحاب من الحياة هي الاخري، وقررت الانتحار عن طريق لدغة ثعبان. وانتهت حياة هذه الملكة الجميلة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وبقيت حكايتها منبع الهام للادباء والشعراء والذين يحيون حديث العشق والعشاق!!
روى مسلم عن حميد بن هلال عن رهط منهم أبو الدهماء وأبوقتادة ؛ قالوا: كنا نمر على هشام بن عامر .. نأتي عمران بن حصين ، فقال ذات يوم : إنكم لتجاوزون إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله (ص) مني ولا اعلم بحديثه مني .. سمعت رسول الله (ص) يقول : ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال !! علامات خروجه أ- قلة العرب : روى أحمد ومسلم والترميذي عن أم شريك : أنها سمعت النبي (ص) يقول : ليفرن الناس من الدجال في الجبال .. قالت أم شريك : يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل ! ب- الملحمة وفتح القسطنطينية : روى أحمد وأبو داود عن معاذ : أن رسول الله (ص) قال: عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال ! ج- الفتوحات : روى أحمد ومسلم وابن ماجة عن جابر بن سمرة عن نافع بن عتيبة رضي الله عنهما ؛ قال : كنا مع الرسول (ص) في غزوة .. قال : فأتى النبي (ص) قومٌ من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف فوافقوه عند أكمةٍ فإنهم لقيام ورسول الله(ص) قاعد .. قال : فقلت لي نفسي : ائتهم ، فقم بينهم وبينه لا يغتالونه . قال: ثم قلت : لعله نجي معهم فأتيهم فقمت بينهم وبينه .. قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي .. قال: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله عز وجل ثم فارس فيفتحها الله عز وجل ثم تغزون الروم فيفتحها الله ثم تغزون الدجال فيفتحه الله ! د- انحباس القطر والنبات : ستكون بين يدي الدجال ثلاث سنوات عجاف يلقى الناس فيها شدة وكرباً ؛ فلا مطر ولا نبات· يفزع الناس فيها للتسبيح والتحميد والتهليل حتى يجزئ عنهم بدل الطعام والشراب فبينما هم كذلك ؛ إذ تناهى لأسماعهم أن إلهاً ظهر ومعه جبال الخبز وأنهار الماء فمن أعترف به رباً ؛ أطعمه وسقاه ومن كذبه ؛ منعه الطعام والشراب فالمعصوم عندها من عصمه الله وتذكر لحظتها وصايا المصطفى (ص) : لن تروا ربكم حتى تموتوا .. وأنتم ترون هذا الأفاك الدجال ولم تموتوا بعد !! مكان خروجه روى أحمد والترميذي والحاكم وابن ماجة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ قال: حدثنا رسول الله(ص) فقال: ” إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها : خرسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المُطرقة”. وأول ظهور أمره واشتهاره والله أعلم يكون بين الشام والعراق ؛ ففي رواية مسلم عن نواس بن سمعان : “إنه خارج خلة بين الشام والعراق ” أتباعه أ- اليهود : روى أحمد ومسلم عن أنس بن مالك: أن الرسول الله(ص) قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة .. ب- الكفار والمنافقين : روى الشيخان والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ قال: قال رسول الله(ص) : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ؛ إلا مكة والمدينة وليس نُقب من أنقابها إلا عليها الملائكة حافين تحرسها فينزل بالسبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق .. ج- جهلة الأعراب : ودليل ذلك ما رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والضياء عن أبي أمامة وفيه: “وإن من الفتنه أن يقول للأعرابي : أرأيت إن يبعث لك أباك وأمك ؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول : نعم.. فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه .. فيقولان : يابني! اتبعه ؛ فإنه ربك” د- من وجوههم كالمجان المطرقة ولعلهم الترك: عن أحمد والترمذي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه :” إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خرسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة” هلاكه أ- في بلاد الشام حرسها الله : روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دُبُر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك .. ب- قاتله هو عيسى بن مريم عليهما السلام : روى الترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري؛ قال:” سمعت رسول الله (ص) يقول : يقتل ابن مريم الدجال بباب لد “ولن يسلط عليه احد إلا عيسى بن مريم عليه السلام.. صفاته الخلقية أ- أعور العين أو العينين : روى الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ؛ قال : قال رسول الله (ص): إن الله لا يخفي عليكم ، إن الله تعلى ليس بأعور وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى ، كأن عينه عنبة طافية.. ب- مكتوب بين عينيه كافر : روى الشيخان عن أنس؛ قال: قال رسول الله(ص) : ما من نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ومكتوب بين عينيه ( ك ف ر ) د- قصير· أفحج· جعد· أعور· عينه ليست بناتئة ولا جحراء : روى أحمد وأبو داود عن عبادة بن الصامت عن رسول الله (ص) قال : إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيح الدجال : قصير، افحج ، جعد ، أعور، مطموس العين، ليست بنائتة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا .. ه- هجان· أزهر· كأن رأسه أصلة: روى أحمد وابن حبان عن ابن عباس : أن رسول الله (ص) قال: الدجال : أعور، هجان، أزهر (وفي رواية أقمر) ؛ كأن رأسه أصلة ، أشبه الناس بعبدالعزى بن قطن، فإما هلك الهلك ؛ فإن ربكم تعالى ليس بأعور ..
عبدالله بن أبي أطلق شائعة الإفك فأراد إبنه أن يقتله!
جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلي المدينة مهاجرا إليها، وكان أول مافعله أن آخي بين المهاجرين والأنصار، ثم كتب صحيفة المدينة التي أمن اليهود فيها علي معتقداتهم وأموالهم، كما أمن الطوائف الاخري في المدينة علي ألا يخونوا المسلمين، ولايتحالفوا مع أعدائهم ولايجيرهم. وجمع الرسول عليه الصلاة والسلام في يديه بين السلطة الروحية والسياسة…
وكانت هناك في المدينة طائفة من المنافقين تظهر الاسلام وتبطن العداء للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان علي رأس هؤلاء المنافقين عبدالله بن أجبّيٌِ بن سلول
وكان من الخزرج، وكان يستعد قبل أن يهاجر الرسول الي المدينة أن يتوج ملكا عليها، غير أن هجرة الرسول أضاعت عليه هذه الفرصة فقد التف أهل المدينة حول الرسول، ولم يعد يأبهون بعبدالله بن أجبّيٌِ، مما جعله يحقد علي الاسلام ونبي الاسلام إذ انتزع الاسلام منه ما كان يحلم به من سلطة وجاه في المدينة.
ومضت الأيام.. وزاد التفاف المسلمين حول الرسول، ثم قامت معركة (بدر) بين المسلمين ومشركي مكة، وأنتصر المسلمون في هذه المعركة انتصارا حاسما، رفع من قيمة المسلمين في المدينة، وعزز مواقفهم، ووجد عبدالله بن أجبّيٌِ، أن الاسلام يسير في طريق صاعد وانه ينبغي ان يكون له دور في المجتمع الجديد فأعلن إسلامه، وهو يطوي بين جوانحه النفاق!! وأمر أعوانه من المنافقين باعلان اسلامهم حتي لا يأخذ المسلمون منهم موقفا، وبذلك أصبح هؤلاء المنافقون يضمرون شيئا، ويظهرون شيئا آخر!
***
وكانت هذه الجماعة المنافقة برئاسة عبدالله بن أجبّيٌِ، تتصل باليهود، وكل الناقمين علي المسلمين، ليكيدوا لهم ويتأمرون ضدهم إذا ماحدث في الأمور مايستدعي وقوفهم ضد الاسلام والمسلمين!
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يعرف ذلك كل المعرفة، ولكنه ترك أمرهم لله، فالسرائر يملكها الله عز وجل، وكان يقول:
‘لم أؤمر أن انقلب عن قلوب الناس أو أكشف عن أسرارهم’.
وقد صور القرآن الكريم هؤلاء المنافقين يقوله:
‘ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين.. يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون’.
(البقرة 810)
وصور الله سبحانه وتعالي مواقفهم المتخاذلة من الاسلام وهروبهم وتخلفهم عن الجهاد، حتي لايناصروا الدعوة بقوله تعالي:
‘لايستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون. ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدٌة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم، وقيل اقعدوا مع القاعدين’
(التوبة 4446).
وما أكثر الآيات الكريمة التي تصف سلوكيات هؤلاء المنافقين ومواقفهم المتخاذلة، وأطماعهم وسوء طويتهم.
***
وقد ظهر هذا الرجل علي حقيقته عندما انتصر المسلمون في بدر، وحاول يهود بني قينقاع أن يهزأوا بهذا النصر، ويقللون من أهميته، ويظهرون تأييدهم لقريش، وهذا يعني أنهم خانوا عهدهم مع الرسول، وحذرهم النبي من مغبة هذه الخيانة وقال لزعمائهم:
‘يامعشر يهود، أحذروا من الله مثل مانزل بقريش من النقمة، واسلموا، بأنكم قد عرفتم انني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم’
ولكنه قالوا له:
‘يامحمد، أرأيتنا مثل قومك، لايغرنك أن لقيت قوما لاعلم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس’.
وأنزل الله في اليهود:
‘وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم علي سواء إن الله لايحب الخائنين’
(الانفال 58).
وكان لابد من المواجهة.. وواجههم الرسول، فما كان من اليهود إلا أن دخلوا حصونهم، وحاصرهم الرسول وكان هؤلاء اليهود لهم حلفاء من العرب منهم (عبادة بن الصامت) الذي بريء من أفعالهم، وكان من هؤلاء الحلفاء (عبدالله بن أجبّيٌِ) الذي أبدا التعاطف معهم، وقال:
إني امرؤ أخشي الدوائر ولا آمن الزمن!! بمعني انه لايدري المستقبل فربما ينتصرون علي المسلمين أي انه بنفاقه أظهر انه لن ينحاز الي أحد لأنه لايعرف لمن سيكون له النصر!!
وأخيرا اضطر اليهود الي الجلاء عن المدينة علي أن يتركوا للمسلمين أموالهم وسلاحهم، المهم أن ينجو هم وأولادهم ونسائهم!!
وقبل الرسول الجلاء علي أن يرث المسلمون أموالهم وديارهم.
***
وتمر الأيام
وفي شعبان من السنة الخامسة للهجرة، اتجه الرسول الي بني المصطلق، عندما علم انهم يتآمرون علي المسلمين، وخرج مع المسلمين بهدف البحث عن الغنائم وبعض اهل النفاق وعلي رأسهم عبدالله بن أجبّيٌِ وانتصر المسلمون في هذه الغزوة، وقد حدث في اثناء هذه الغزوة ان تخاصم علي الماء أجير لعمر بن الخطاب، مع رجل حليف للخزرج وكان الخلاف حول أيهما يسقي قبل صاحبه، وماكان من الأجيران ضرب حليف الخزرج، واشتعلت فتنة بين المهاجرين والأنصار عندما استعان كل واحد منهما علي الأخر، وأخمد الرسول هذه الفتنة، غير أن عبدالله بن أجبّيٌِ ماكان يرضي ان تهدأ الفتنة وأراد ان يشعلها من جديد، فأخذ ينفث سمومه، ويهاجم المهاجرين علي أساس انهم دخلاء علي المدينة، وقال:
ولئن رجعنا الي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ويقصد بالأذل المهاجرين!!
وسمع الرسول ان عبدالله بن أجبّيٌِ يحرض الانصار عي المهاجرين فغضب، حتي ان عمر بن الخطاب قال للرسول:
يارسول الله، مر (عباد بن بشر) وهو من الانصار أن يقتله
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
لا، فكبت ياعمر إذا تحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه، ولكن أذن بالرحيل’.
وعندما علم ابن أجبّيٌِ ان الرسول علم بكل ما قاله، ذهب الي الرسول وأنكر أنه تحدث بشيء!!
***
وفي هذه الغزوة حدث حادث آخر، اتخذه هذا المنافق وسيلة لاشعال نار الفتنة، ويوهن المسلمين، ويحال اغاظة النبي عليه الصلاة والسلام، وعائشة بنت أبي بكر.
ففي اثناء هذه الغزوة وبينما المسلمين أخذوا في الرحيل الي المدينة، كانت في هذه الحملة أم المؤمنين عائشة، وكان قد انفرط عقدها، فأخذت تجمع حبات العقد، بينما كان المسلمون قد مضوا في طريقهم في طريق العودة، ورآها احد الصحابة (صفوان بن المعطل) فأركبها راحلته وقادها الي المدينة، حتي أعادها.
ورآها عبدالله بن أجبّيٌِ وصفوان يقود ناقتها، فاتهمها في شرفها مع هذا الرجل، وسرعان ماردد المنافقون قولته!
وعلم الرسول بذلك فحزن حزنا شديدا علي الافتراء علي زوجته الفاضلة، وسمي هذا الحديث (حديث الإفك).. أي الكذب، ونزل وحي السماء يبريء عائشة من هذه التهمة.. ونزل قوله تعالي من سورة النور:
‘ان الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لاتحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امريء منهم ما اكتسب من الاثم. والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا هذا أفك مبين لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والأخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم مايكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ان كنتم مؤمنين’
(النور 1117)
***
وبرئت عائشة من فوق سبع سماوات وتحدث الناس في كل مكان في المدينة عن هذا الحادث وكيف افتري عبدالله بن أجبّيٌِ كذبا علي أهل بيت الرسول، حتي أن ابنه (عبدالله).. توجه الي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وكان الابن تقيا صالحا علي عكس والده المنافق وقال:
يارسول الله : انه بلغني انك تريد قتل (عبدالله بن ابي) فيما بلغك عنه.. وقلت من يغدر بي في رجل آذاني في أهلي؟
فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا أحمل لك رأسه.
فو الله ماعلمتْ الخزرج ماكان لها من رجل أبر بوالده مني.. وأني أخشي أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر الي قاتل أبي يمشي في الناس ، فاقتله، فاقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار،
فقال النبي صلي الله عليه وسلم
بل نرفق به، ونحسن صحبته مابقي معنا وتسامع الناس بموقف رسول الله منه ، وبدأوا يشعرون أن ‘عبدالله بن ابي’ قد بلغ الذروة في النفاق، وان سلوكياته لاتليق برجل كريم، فكانوا يعنفونه، وبزدرونه، ويحتقرون تصرفاته..!
وقال الرسول الكريم لعمر بن الخطاب وهو يري موقف ا لناس من هذا المنافق:
يف تري الآن ياعمر؟
اما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنف لو أرثها اليوم لقتلته’
فقال عمر:
قد والله علمت لأمر رسول الله اعظم بركة من امري’
يقول الدكتور عبدالرحمن عميره في كتابة رجال ونساء انزل الله فيهم قرآنا):
‘… وبلغ الكتاب أجله ومات عبدالله بن ابي.. مات زعيم المنافقين، وجاء ابنه الي رسول الله صلوات الله عليه وسلامه فقال: اعطني قميصك حتي أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له. فأعطاه قميصه ثم قال:
آذني أن اصلي عليه فآذنه.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فاي وقف عليه تحولت حتي قمت في صدره فقلت: يارسول الله.. أعلي عدد الله عبدالله بن أبي القائل يوم كذا.. وكذا: أعدد أيامه ورسول الله صلي الله عليه وسلم يبتسم، حتي إذا أكثرت عليه قال آخر عني ياعمر، إني خيرت فاخترت.. فقد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ، ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.. لو أني أعلم أني ان زدت علي السبعين غفر له لزدت.
قال : ثم صلي عليه السلام ومشي الي ان وصل الي قبره فقام علي قبره حتي فرغ منه.
قال : فعجبت لي وجرأتي علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان يسيرا حتي نزل:
ولا تصل علي أحد منهم مات ابدا ولاتقم علي قبره’
قال: فما صلي رسول الله صلي الله وسلم بعده علي منافق ولاقام علي قبره حتي قبضه الله تعالي.
قال المعشرون: وكلم رسول الله صلي الله عليه وسلم أصحابه فيما فعل بعدالله بن ابي فقال:
ومايغني عنه قميص وصلاتي من الله. والله اني كنت أرجو ان يسلم به ألف من قومه’
مراجع
حياة محمد د. محمد حسين هيكل
النبي العربي احمد التاجي
رجال ونساء انزل الله د. عبدالرحمن عميرة
الولايات المتحدة الامريكية أمة عجيبة.. فيها الكثير من المتناقضات: القوة والضعف الثراء والفقر.. المتعطشون للمجد والمستسلمون للواقع.. ومن كل هذه الخيوط كان نسيج الامريكيين الذي يمكن فهمه بسهولة ويسر أو يصبح فهمه شيئا بعيد المنال!! ولد لنكولن في كوخ بسيط في ولاية كونكتيكي، وكان والده أميالا يقرأ ولايكتب، وكان يتعجب من رغبة ابنه في التعلم حتي انه قال: ان ابراهام يخدع نفسه بالتعليم، قد حاولت ان اوقفه عند حده، لكن هذه الفكرة الطائشة كانت قد تملكت عقله فلم استطع انتزاعها منه!! وكانت أمه اسمها نانسي هانكز من مواليد فرجينيا وعاشت مع ابنها حتي بلغ التاسعة من عمره، ثم ماتت بعد ان تركت في نفسه أثرا لايمحي فهي التي شجعته علي حب القراءة. وقد انفصل عن عائلته في سن الحادية والعشرين من عمره، وقد كان طويل القامة.. نحيفا.. ودرس القانون. وقد عاش ابرهام لنكولن قصة حب من جانب واحد عندما أحب فتاة اسمها آن رتلدج، وتقدم لخطبتها عام 1935 ولكن هذه الفتاة ماتت بعد خطبته لها بعدة شهور مما ترك في نفسه أثرا عميقا حزينا لازمه فترة طويلة من حياته، ولكن تزوج عام 1842 من ماري تود ولم يكن هذا الزواج عن حب، وربما كان حبه للقائد والسياسة جعلاه يعيش لهما. وكان من هموم لنكولن ان يتم اتحاد الولايات المختلفة وان يلغي الرقيق.. فكان يحز في نفسه ان يري الرجال والنساء والاطفال يباعون في سوق الرقيق وكان يقول: : لو كان في مقدوري ان أوقف كل ذلك لاوقفه فورا وبمنتهي العنف. عندما أقام في مدينة¬ نيو اورلينز، حدثت له حادثة تنم علي شخصيته وقدرته علي ضبط النفس وعلي التحدي في نفس الوقت.. فقد كان في هذه المدينة جماعة من الشبان يرأسهم (جاك ارمسترونج) وكان مشهورا بشجاعته وممارسته للمصارعة، وطلب هؤلاء الشباب من ابرهام لينكولن مصارعة ارمسترنج، وحتي لايتهم بالجبن قرر منازلة الخصم، وصرعه وانتصر عليه، وعندما حاول انصار الخصم مهاجمته أعلن لهم أنه سوف يهزمهم جميعا، إلا ان ارمسترونج عندما آفاق من صدمة الهزيمة أعلن احقية لنكولن في النصر وأصبح صديقا له!! *** عمل لنكولن صاحب متجر محاميا، ولكنه كان مهموما بمسألة العبيد، وكان نظام العبيد معمولا به في الولايات الجنوبية، ولكنه غير مسموح به في الولايات الشمالية، بينما احتدم النقاش حول هذا النظام وهل يعمل به في الولايات التي بدأت تنشأ في القرب.. واختلف الناس بين مؤيد ومعارض وكان من رأي ابرهام لنكولون ان يكون تحرير العبيد علي مراحل ، وكان يقول: :: عندما يحكم الرجل الأبيض نفسه بنفسه فهذه هي الحكومة الذاتية ، ولكن عندما يريد الرجل الابيض ان يتحكم في غيره من الملونين فهذا هو الاستبداد والطغيان.. ولايجب اطلاقا ان يتحكم الإنسان في أخيه الانسان دون رغبة هذا الاخير وموافقته!: وقد كتب خطابا لأحد اصدقائه يقول فيه:: : إني أؤمن بوجود الله. وأعرف ان الله لايقبل الظلم، ولايرضي بأن يستعبد الإنسان أخاه الإنسان، وإني أري ان العاصفة قادمة لامحالة.. وأعرف ان الله معي، وأنا مستعد أن أبذل كل جهدي وحياتي لتحقيق الحق.. فأنا لاشيء علي الاطلاق.. انا الحق والعدل فهما كل شيء!’ *** وقد دخل لينكولن في معركة الرئاسة ضد دوجلاس، وكانت المعركة تتطلب بالطبع ان يعرض كل واحد منهما منهجه ورؤيته لمختلف القضايا.. وكان علي كل منهما ان يتحول في مختلف الولايات حتي يجذب اليه أصوات الناخبين.. كان نكولن عن الجمهوريين ، والآخر عن الديمقراطيين والغريب ان النصر في هذه المعركة كانت لابراهام لينكولن.. وأصبح رئيسا للولايات المتحدة الامريكية.. وغادر بلدته في فبراير 1861 مصطحبا زوجته وأولاده الثلاثة الصغار متجها الي واشنطن ولم يكن الأمر سهلا ولاهينا أمام الرئيس الامريكي الجديد، فقد اعلنت سبع ولايات في الجنوب انفصالها ، واختارت لنفسها رئيسا أخر، بسبب انها تري في نظام العبيد الذي نجنده ضرورة اقتصادية علي عكس ولايات الشمال.. وكان لابد ان تندلع الحرب الأهلية، واندلعت هذه الحرب التي تكن فيها الشمال من الانتصار.. ولكن رغم قيام هذه الحرب الأهلية، فقد اتخذ ابراهام لينكولن قرارا خطيرا.. وفي اثنائها .. فقد وقع علي وثيقة تحرير العبيد في الجنوب. *** وأعيد انتخاب لينكولن سنة 1864م وكان خطابه بمناسبة انتخابه رئيسا للمرة الثانية في 4 مارس 1865 ممهدا الطريق لما يريد، وقد ختمه بقوله: :…… اننا لانضمر الكراهية لاحد بل نضمر المحبة للجميع، ونؤمن بالحزم في الحق كلنا هدانا الله إلي ان نتلمسه .. هيا بنا نعمل ماوسعنا الجهد لنضمد جراح الأمة وترعي هذاپالذي ذهبت به الحرب في أرملته وفي ابنائه. لنعمل كل مافي وسعنا لكي نحقق سلاما دائما عادلا بيننا وبين سائر اسم العالم *** في مساء الجمعة السابق علي عيد الفصح سنة 1865، كان هناك رجل من الجنوب يدعي (بوش) كان قد قرر التخلص من الرئيس الامريكي ابراهام لينكولن ، عندما علم ان الرئيس سوف يذهب الي مسرح فورد في واشنطون، فقد تسلل الي المقصورة الذي يجلس فيها الرئيس، وصوب رصاص مسدسه الي رأسه، واطلق عليه النار، واسرع الي خشبة المسرح، حيث اختلط بالممثلين، ووسط الارتباك الذي ساد المسرح، وبين ذهول الحاضرين، استطاع الجاني، ان يخرج من المسرح حيث كان ينتظره حصان قفز علي ظهره واختفي. بينما لفظ الرئيس ابراهام لينكولن انفاسه الاخيرة في صباح اليوم التالي، حيث نقل جثمانه في قطار حمله الي مدينة سيرنج فيلد بولاية الينوبي. حيث ووري التراب. *** دفن الرجل الذي أحبه الناس في بلاده، وخاصة الرقيق الذي حررهم من ذل الرق، وكانت تتداعي الي أذهان الجميع خطبته المؤثرة التي القاها عقب انتهاء الحرب الأهلية والذي قال فيها: منذ سبعة وثمانين عاما أقام اجدادنا علي هذا الاقليم أمة جديدة تسود فيها مباديء الحرية وتؤمن بأن الناس جميعا قد خلقوا سواسية.. والآن وقد خضنا غمار حرب أهلية مروعة ، يجتاز امتحانا جديدا هو، علي هذه الامة.. او آية أمة اخري هكذا للحرية ¬ستحيا إلي أمد محدود؟ لقد تلاقينا في ميدان هذه الحرب، ووهبنا شطرا منه مرقدا لهؤلاء الذين بذلوا حياتهم كي يعيش سائر أفراد الأمة، فمن الواجب ومن العدل ان نعمل علي تحقيق ماضحوا بحياتهم من أجله.. ولكنا لايمكننا ان نعبد.. ولايمكننا ان نقدس، ولايمكننا ان نؤله هذه الأرض.. ان الابطال الشهداء منا والأحياء، والذين جاهدوا هنا قدسوها بقوة أعظم من قوتنا الراهنة. ان العالم قد يصغي الي مانقوله هنا، ولكنه لن ينسي مطلقا مافعله هؤلاء هنا. لقد كان من أجلنا نحن الأحياء ¬هذا العمل الذي لم يكملوه، واستشهدوا في سبيله، ومن الوفاء لأنفسنا ان نثبت في مكاننا ونتابع العمل الذي أمامنا. ومن دعاء الشهداء الأبرار نستمد نحن دعاء متزايدا كي نقوم باتمام العمل الذي وهبوه دماءهم ودعاءهم .. اننا هنا لكي نقرر ان هؤلاء الموتي لم يهبوا حياتهم عبثا. وان هذه الأمة تحت السماء سيكون لها ميلاد جديد من الحرية، وان حكومة الشعب التي هي من الشعب وللشعب لن تزول من الأرض ولن تموت.. *** والذي يقرأ قصة حياة ابراهام لينكولن الذي ولد في كوخ من الأكواخ الفقيرة وعاش حياته مدافعا عن مبدأ أخلاق هام وهو تحرير العبيد، كما آمن بأهمية اتحاد الولايات الامريكية تحت علم واحد.. الذي يقرأ هذه الصورة ويري ماعليه اليمين الامريكي الآن لابد ان يتساءل: أن المباديء التي نادي بها رجل كالرئيس الامريكي لينكولون ؟!! مراجع ابطال الحرية محمود فتحي عمر رجال نظام ونساء عظيمات: ليزلي ليغيت ترجمة : مختار السويفي
كان ابونواس ‘الحسن بن هانيء’ من شعراء الدولة العباسية وكان شاعرا ماجنا محبا للخمر وقد ولد سنة 139ه علي ارجح الاقوال، وقد حفظ القرآن الكريم في سن صغيرة كما تفتحت موهبته الشعرية في سن صغيرة ايضا…
وقد درس بجانب الشعر اللغة الفقة والتفسير وعلم الكلام، كما كان يجيد الفارسية لانه من اصل فارسي.
وكان بجانب ذلك يحب الفكاهة وهي التي قربته من الخلفاء والوزراء.
فخرج من البصرة الي بغداد.. حيث تعرف علي الرشيد الذي اغدق عليه الكثير من المال وما كاد يجري في يده المال حتي اخذ ينفقه في الحانات وشرب الخمر، وتمرغ في اوحال النساء وقد رحل الي مصر حيث كان والي الخراج بها فارسيا مثله ولكن لم يطق العيش في مصر فقد شده الحنين الي بغداد ولياليها..
وقد اقترب من الامين بعد وفاة الرشيد، حتي ان اخاه المأمون قد جعل من تقريبه ابونواس ذريعة للهجوم عليه.. لأنه قرب الي مجلسه من كان ينهم بالشراب وهتك المحارم.. فهو القائل
ألافاسقني خمرا وقل لي هي الخمر
ولاتسقني سرا اذا امكن الجهر
دبح باسم من تهوي ودعني من الكني
فلا خير في اللذات من دونها ستر
ويبدو ان الخليفة العباسي الامين قد ضاق ذرعا بفضائحه مما اغري وزيره الفضل بطلب الي الخليفة ان يحبسه فحبسه في سجين ‘المطبق’.. وهذا السجن كان قد اقامة الخليفة ابوجعفر المنصور عندما قام بتخطيط مدينة بغداد.. وقد شيد هذا السجن بصورة يصعب علي السجين الهروب منه، وربما فعة الي ذلك انه كان هناك سجن في ‘الهاشمية’ بناه ابوالعباس السفاح، وقد استغلت جماعة ‘الراوندية’ وهم اتباع ابي مسلم الخرساني، ضعف بناء هذا السجن، فقاموا باخراج المساجين موا بعد مهاجمته، في محاولة منهم لمهاجمة قصر المنصور ومن هنا فقد قرر المنصور ان يكون سجن المطبق حصينا من الصعب مهاجمته اوالهروب منه وكان هذا السجن يسجن فيه من يخاف الخليفة غدرهم او اذا غضب علي احدهم من كبار القواد او الساسة
***
وقد اتهم الشاعر ابونواس بالفساد والزندقة ودخل هذا السجن، ولم يطق الحياة فيه في عهد الرشيد فأرسل استعطافا الي الرشيد حتي يفك سجنه.. يقول في رسالته تلك.
بعفوك بل بجودك عذت بل
بفضلك يا امير المؤمينا
فاني لم اخنك بظهر غيب
ولاحدثت نفسي ان اخونا
***
ودخل السجن مرة اخري في عهد الامين، واخذ يتمني ان يئول الحكم للمأمون حتي ينقذه من هذا السجن وقال:
اما الامين فلست ارجو دفعه
عني، فمن لي اليوم بالمأمون؟!
حتي يقول الرواة ان المأمون عندما سمع هذه الابيات التي قالها ابونواس مستنجدا به من عذابات سجنه، وكان الخلاف علي اشده بين الاخوين الامين والمأمون فقال:
والله لئن لحقته لاغنينه غني لايؤمله
ولكن الشاعر ابونواس مات قبل دخول المأمون بغداد.. فقد مات سنة 198ه
***
ولم ينس ابدا هذا الشاعر ماشعر به من هوان داخل السجن، وطاعته للسجان، الذي وصفه بأنه جعل من حياته جحيما لايطاق، حتي انه شعر بأنه أثقل علي قلبه من الحديد الذي يكبل يديه، وكان هذا السجان الذي دخل التاريخ لان ابونواس ذكره في اشعاره، وشكواه الي الخليفة منه.. وقال له فيما قال من شكواه
واعف مسامعي من صوت رجس
ثقيل شخصه يدعي ‘سعيدا’
ويقول عنه الباحث محمد عبدالغني حسن:
وقد احاطت تهمة الزندقة والكفر بأبي نواس من كل جانب حتي لم ينقطع الاتهام عنه لحظة طوال حياته، وهو ملوم في ذلك كل اللوم، فما كان اغناه لو عقل عن ركوب هذه المزالق الخطرة وكثيرا ما كان يلجأ الي الخلاص من تهمة الزندقة بحركات وافعال تدل علي ايمانه، وقد أجدت عليه هذه الوسيلة مرة، وخذلته غير مرة فقد حدث عاصم بن حميد بن غنيم الوراق، وعنه روي ابن منظور المصري صاحب لسان العرب قال: رأيت ابانواس وهو في سراويل، والناس يجرونه، ويضربونه في قفاه بالنعال ويقولون: زنديق.. ويرمونه بالحجارة حتي ادخلوه الي محمد بن زبيده يعني الخليفة العباس الامين
فقال: ما هذا؟
قالوا: زنذيق
فقال: علي بالسيف والنطع!
فقال ابونواس: دعوني اصلي ركعتين، فأفرجوا عنه؟ فتهيأ للصلاة ثم رفع رأسه الي السماء وكبر وصلي ركعتين وقال:
سبحان من خلق الخلق
من ضعيف مهين
فساقة من قرار
الي قرار مكين
في الحجب شيئا فشيئا
تحاردون العيون
حتي بدت حركات
مخلوقة من سكون.
فقال الامين:
ماهذا زنديق.. أعطوه ألف درهم، واخلعوا عليه، فخرج تحت الخلع، وطردوا الناس عنه
***
ولم يكن سجنه بسبب الزندقة فقط، فقد سجن ايضا بسبب تعاطيه الخمر، اكثر من مرة وفي احدي المرات استعطف الخليفة الامين من وراء قضبان السجن بقصيده طويلة قال في احد ابياتها وهو يمدح الخليفة:
فديتك ان ليل السجن ياس
وقد ارسلت: ليس عليك باس
فلما بلغت الابيات الخليفة، عفا عنه واخرجه من السجن الي عالم الحرية ويقول عنه الدكتور شوقي ضيف:
……… وفي اخباره مايدل علي نه تنسك مرارا ثم عاد الي غيه او ربما رقيت فيرات هذا النسك الي زمن الرشيد، وحين كان يلقي به في السجن، اذ يقال انه حج سنة 190ه وكأنما هي صحوات كان يفيق فيها ثم يرجع الي حكاياه، وتوفي الامين، ولم يلبث ان توفي بعده.
وقد اختلف الرواة في تاريخ وفاته.. فمنهم من تقدم به الي سنة 195ه ومنهم من تأخر به الي سنة 199ه وقيل بل توفي بعد المائتين بقليل، وفي ديوانه رثاء للأمين يشهد بأن وفاته لم تكن قبل سنة 198ه.
واختلف الرواة ايضا في سبب وفاته.
فقيل انه توفي وفاة طبيعية.. وقيل بل هجا اسماعيل بن فوبخت هجاء فقد مقذعا فيه أمه ورماه بالبخل والرفض، فوس له شربة من سم قتلته بعد اربعة اشهر، وقيل بل وشي له من ضربه حتي مات!
***
ولاشك ان ابانواس كان شاعرا كبيرا، ولكن افسد حياته بشعره الماجن الناجم عن نفسية معقدة، مليئة بالعقد النفسية والتي يرجعه بعض النقاد انه كان يتأزم من سيرة أمه المنحرفة، وهذا مادفعه ان يعيش حياته بالطول والعرص، ضاربا عرض الحائط بالاعراف والتقاليد بل وبالدين ايضا فهو القائل:
انما العيش سماع وفدام وندام
فاذا فاتك هذا فعلي الدنيا سلام
ويظهر عدم مبالاته بالقيم ولابالناس، عندما قال بمرأة عجيبة:
لاتبك ليلي ولاتطرب الي هند
واشرب علي الورد من حمراء كالورد
كأسا اذا انحدرت في حلق شاربها
اجدته حمرتها في العين والخد
فالخمر ياقوته والكأس لؤلؤة
في كف جارية ممشوقة القد تسقيك من يدها خمرا ومن فمها
خمرا فمالك من سكرين من بد
وكان من الطبيعي ان يجر هذا الشعر عليه المشاكل خاصة عندما تتلاعب برأسه الخمر فيعلن بأنه لايؤمن ببعث ولاحساب ولابجنة ولانار..!
ولو كان هذا الشاعر الماجن قد وعي الحقيقة حقيقة الحياة والموت ومابعد الموت، التي تحدث عنها في بعض لحظات جده بعيدا عن الخمريات التي اذهلت عقله فنأي عن الصواب، ودخل بسببها السجن.. لو عرف البعد عن المجون والخمر والهلوسة، وكتب شعره الجميل وهو متمسك بالقيم والفضائل لكان واحدا من اعظم الشعراء الذين عرفهم التاريخ الادبي ولما عرف ايضا ظلام السجون!
مراجع
العصر العباسي الاول… د. شوقي ضيف
في صحبة الشعر والشعراء محمد عبدالغني حسن
حديث الاربعاء… د. طه حسين
كان سقراط أعظم الفلاسفة اليونانيين الذين عرفهم العالم. وظلت فلسفته تنشر شذاها في العالم.. وكان هذا الفيلسوف محبا للجمال.. ومحبا لقيم العدل.. واستطاع بذكائه الحاد أن يقضي علي السفسطة التي سادت عصره.. هذه السفسطة التي تقلب الحق باطلا، والباطل حقا بادعاء أن كل الأمور نسبية فليس هناك فضيلة مطلقة..
فالسرقة مثلا إن كانت قد أضرت المسروق، فهي مفيدة للسارق. وإذا قال أحد من الناس إن الجو حار، وقال آخر إن الجو بارد فكلاهما في رأي السوفسطائيين علي حق لأن كل واحد منهما شعربما أحس به!
وكان من الممكن أن تفسد هذه الفلسفة الحياة، لولا أن تصدي لها الفيلسوف العظيم سقراط، وأْعاد الحق إلي نصابه.. ليعرف الناس أن الحق حق، وأن الباطل باطل، وأن الحقيقة لايختلف حولها إثنان. استطاع الفيلسوف العظيم أن يخمد أفكار السوفسطائيين. ويضع نهاية لتشويههم الحقيقة عن طريق منهجه بأن يلقي علي سامعه الأسئلة التي تقوده إلي الحقيقة .. والتي من خلالها يظن سامعه أنه اهتدي إلي هذه الحقيقة بنفسه!
وكانت مآثر هذا الفيلسوف العظيم.. إنه كما يقولون عنه أنه أنزل الفلسفة من السماء إلي الأرض بمعني أن جعل الفلسفة تهتم بمشاكل الإنسان وهمومه.. بأن يعرف الإنسان نفسه لا أن ينطلق ببحث
فيما وراء الوجود.. وقال كلمته الشهيرة التي كانت محفورة علي معبد دلفي (اعرف نفسك) !
كان دائما يقول:
‘أني أسير في أعقاب الحق، وأتلمس آثارة تلمس كلب الصيد للفريسة’
‘أنا لا اعرف غير شيء واحد، هو أنني لاأعرف شيئا’.
أي أنه كان منتهي أمله أن يتعلم، وأن العلم هو ضالته وأن علي كل إنسان سوي أن يكون العلم ضالته.
* * *
كان سقراط ضخم الجثة.. غليظ الشفتين، أفطس الأنف. جاحظ العينين.. وكان متزوجا من زوجة متسلطة اسمها( أنثبي) .. لأنه ترك مهنته كنقاش، وراج يجوب شوارع أثينا ينشر الفلسفة ويبشر بها دون أن يلتفت لمهنته!
وكان هو يتحمل حماقات هذه الزوجة ويقول أن علي الأنسان أن يتزوج فإن سعد في زواجه فقد غنم هذه السعادة، وأن فشل في هذا الزواج أصبح فيلسوفا!!
* * *
وكان لابد لمثل هذا الانسان الذي يلتف حوله شباب أثينا من كل الطبقات.. الغنية والفقيرة، للاستفادة من حكمته.. والاستما ع إليه وهو يتحدث عن الإنسان وحكمة الحياة. وأنه لاينبغي الخوف من الموت.. لأن الموت إما عدم وبالتالي لن يكون ثمة شعور به.. وإما أن الأنسان سيري في هذا العالم الآخر الذين تركوا بصمات في هذه الحياة ورحلوا.. ومن هنا يسعد الانسان بهذا العالم الذي ‘لانعرف عنه شيئا.. وفي كلا الحالتين لم يعد الموت مخيفا.
واستمع الشباب إليه وهويتحدث عن الله ووحدانيته كما استمع الشباب إليه وهويسخر من ديمقراطية أثينا.
كل ذلك دفع البعض علي الحقد عليه حسدا من قدرته المذهلة في النقاش، والوصول بسامعه إلي أبواب الحقيقة.
وحقد عليه السوفسطائيون لأنه هدم مذهبهم في الشك في كل الأمور حتي تتقدم الحقيقة المطلقة ولم يكن غريبا بعد ذلك أن يجابه بالاتهامات التي تزج به في أعماق السجن تمهيدا لمحاكمته والتخلص من حياته بالموت!
وكان أن وجهت إليه تهمتان
التهمة الأولي أنه لايعبد آلهه أثينا يعيد آلهة من عنده.
التهمة الثانية أنه يفسد الشباب وقد وجه إليه هذا الاتهام أحد تجار الجلود ويدعي أنتيس(Anytus) لأنه أفسد ابنه الذي حرضه علي ترك مهنة والده، والاتجاه لدراسة الفلسفة وقبض علي سقراط ليقدم إلي المحاكمة!
* * *
ونري من خلال ماكتبه أفلاطون علي لسان استاذه سقراط، كيف دافع سقراط عن نفسه في محاكمة ظالمة.. ومن خلال دفاع سقراط عن نفسه، نري كيف انكر الاتهام الذي وجه إليه، وكيف عاتب الذين جاءوا ليحكموا عليه بتهمة أنه ينكر الإله بجانب إفساده للشباب، ومع أنه فند كل التهم التي وجهت إليه بأسلوب جذاب، ومنطق عميق إلي أنه حكم عليه بأن يموت بالسم!
وقال لهم سقراط وكأنه يودع الحياة، ويودع أصدقاءه.. بعد أن قرر أن ينفذ الحكم ولايهرب من سجنه، وكان في إمكانه ذلك، فقد كان من بين تلاميذه تلاميذ أغنياء يمكنهم أن يفدوا استاذهم عن طريق رشوه الحراس، وتوفير الوسيلة لهرب سقراط، ولكنه رفض ذلك وقال لهم كلماته التي عاشت:
لقد أزفت ساعة الرحيل..
وسينصرف كلا منا إلي سبيله
فأنا إلي الموت، وأنتم إلي الحياة، والله
وحده عليم بأيهما خير
ونقرأ في كتاب ( أعلام الفكر الأولي) نهاية سقراط كما وصف ذلك أفلاطون في (فيدون) وهوكتاب يعد من كبريات ملاحم العالم، فيقول أن تلاميذ سقراط احتشدوا حول أستاذهم المحبوب، فدعا سقراط أحدهم إليه وجعل يمر بيده علي شعره وهويشرح آراءه في الحياة والموت وخلود الروح فالموت نسيان خالد حلو لايفسده إضطهاد أوظلم أو خيبة أوألم أوحزن، أو أنه باب نلجه فنمضي من الأرض الي السماء.. إنه المدخل إلي قصر الله ‘وهناك أيها الصحاب لايقتل إنسان من أجل عقائده، فابتهجوا إذن واستبشروا، ولا تأسوا علي فراقي.. وقولوا حين تودعونني القبر إنكم إنما دفنتم جسدي لا روحي’.
توشك الشمس أن تغرب، فيدخل السجان وفي يده السم ويقول:
‘بربك ياسقراط لا تحنق علي فأنت تعلم أن غيري يحمل إثم موتك ولا أحمله أنا’
يقول ذلك، ويمد يده بالكأس إلي سقراط ويجهش بالبكاء وهوعائد من عنده.
لم يستطع أحدنا أن يحبس دمعه، فانهلت شئوننا برغمنا عدا سقراط فقد ظل رابط الجأش يقول لصحبه:
ماهذا السخف.. لقد صرفت النساء تفاديا لمثل هذا المشهد.. السكينة إذن ودعوني أمت في هدوء’
فلما سمعنا هذا استجبنا وكفكفنا الدمع فلما شرب سقراط قدح الشوكران ( السم) استلقي علي سريره كما أمره السجان، وسري السم تدريجيا من قدمه صوب قلبه فاهتز هزة عنيفة، وجمدت عيناه.
كذلك كانت نهاية استاذنا الذي أستطيع أن أقول عنه بحق أنه سما في حكمته ورقته علي كل من عرفت من الناس’
* * *
وقد صور هذا المشهد أمير الشعراء أحمد شوقي في صورة شعرية أخاذه عندما قال:
سقراط أعطي الكأس وهي منيته شفتي محب يشتهي التقبيلا
عرضوا الحياة عليه وهي رخيصة
فأبي وآثر أن يموت نبيلا
إن الشجاعة في القلوب كثيرة
ورأيت شجعان العقول قليلا
عامر بن الطفيل تآمر على قتل الرسول صلي الله عليه وسلم وفشلت المحاولة
كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس الي الاسلام بالحسني، ولم يفرض الدين علي أحد، ولكنه كان يبين للناس ما فيه من نعمة الايمان بالله الواحد الاحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد…
ويوضح لهم تعاليم الاسلام الحنيف، وأن هذا الدين جاء ليرفع الناس من وهدة عبادة الاصنام الي عبادة خالق الوجود، وانهم بهذا الاسلام سيصبح لهم شأن علي مستوي الفرد وعلي مستوي الجماعة.
علي مستوي الفرد لانه يرفع من قيمته أمام نفسه، وأمام خالقه فلا يمرغ جبينه لحجارة صماء لا تنفع ولا تضر، وأن يرقي بتفكير الانسان ليتدبر الوجود الذي خلقه الله فيعبد خالق الوجود.
ومع ذلك حاربوا الدعوة وكادوا لها، وحاولوا أن يوقفوا تقدم الزمن، وما دروا أنهم بذلك كانوا يعيشون في الوهم، وتسيطر عليهم الجهالة، لان نور الله سوف يشق طريقه ولو كره الكارهون.
ومن النماذج الغريبة، التي يعرفها كل من يقرأ كتب السيرة، نموذج عامر بن الطفيل، فقد كانت له طموحات، أكبر من شخصه وأكبر من ملكاته الشخصية، فقد قرر أن ينازع الرسول، وأن يكون له ندا، وأن تكون له السيادة علي شبه الجزيرة العربية بعد الرسول!
كان شديد المكر.. شديد الخداع.. لا يؤمن جانبه.. فما أكثر ما نافق.. وما أكثر ما غدر.
ونسي في غفوته أن النبوة وحي من الله لا دخل للبشر فيها، وأنه لا يملك صفات صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام، الذي عرفه الناس.. شديد الرحمة بهم.. شديد البر.. شديد الحياء.. له من صفات الوفاء والصدق والتقوي ما يؤهله لحمل رسالة السماء.
نسي هذا الحقود أنه لا يملك أدوات الدعوة، وقدم علي مدينة رسول الله علي رأس جماعة من قومه ‘بني عامر بن صعصعة’.. وكان عاقد العزم علي اغتيال أعظم رسل الله عليه الصلاة والسلام.
قال له قومه:
ان الناس قد أعلنوا اسلامهم فاذهب الي الرسول وأعلن اسلامك.
قال لهم:
والله لقد كنت آليت لا انتهي حتي تتبع العرب عقبي.
أفأنا اتبع عقب هذا الفتي من قريش.
وكان معه أربد بن قيس وهو أخو ‘لبيد الشاعر’ لأمه.. وقال له:
اذا قدمنا علي الرجل ‘الرسول عليه الصلاة والسلام’
فاني سأشغل عنك وجهه فاذا فعلت ذلك فافعله بالسيف!!
أي أنه حاك مؤامرة بأن يشغل الرسول، حتي اذا ما انشغل به الرسول ووجه وجهه اليه، قام صاحبه بضرب الرسول بالسيف!
وعندما قدموا علي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قال له عامر:
خالني يا محمد.. بمعني اجعلني لك صديقا!
واقترب منه ليشغله.. فابتعد عنه الرسول قائلا له:
لا.. حتي تؤمن بالله وحده وأخذ عامر بن الطفيل يحاول الاقتراب من النبي عليه الصلاة والسلام حتي ينيح الفرصة لصديقه ‘اربد’ أن يغتال الرسول، ولكنه وجد أن صاحبه لا يفعل شيئا.. وباءت كل محاولاته بالفشل فصاحبه لم يقو علي أن يستل سيفه ويضرب به الرسول.
وهنا قال عامر بن الطفيل للرسول:
ما تجعل لي ان اسلمت؟
قال له عليه الصلاة والسلام:
لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم.
بادره الرجل قائلا:
اتجعل لي الامر من بعدك؟
قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
ليس ذلك لك، ولا لقومك، ولكن لك أعة الخيل
قال عامر
أنا الآن في أعنة خيل نجد.. اتجعل لي الوبر ولك المدر
أي أنه يريد أن يتولي حكم البدو ويترك للرسول الحضر؟
قال النبي عليه الصلاة والسلام؟
لا
فقام عامر مهددا ومتوعدا الرسول، بأنه سوف يحاربه ويحارب الدعوة ومما قاله:
اما والله لا ملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولاربطن بكل نخلة بالمدينة فرسا’.
وخرج الرجل بعد أن توعد الرسول، وسأل صاحبه عن عدم تنفيذ الخطة التي اتفقا عليها ولماذا تجاهل اشاراته عندما كان يقترب من الرسول ويشغله، حتي يتاح له الفرصة لتدبير مؤامرته الدنيئة.
فقال له صاحبه:
والله ما هممت بقتل محمد الا رأيتك بيني وبينه أفأقتلك؟
وفي طريق العودة أصيب هذا الغادر بالطاعون، ومات فواراه التراب.
أما صاحبه فقد اصابته صاعقة في الصحراء وقتلته!
* * *
واستراح الناس من شر هذا الرجل وصاحبه.
وقد كان عامر بن الطفيل مليء بالعقد النفسية التي ورثها نتيجة تصرفاته الحمقاء وغدره بالناس.
فالرواة يقولون انه حارب مع قومه بني الحارث، واستعان عليهم بقبيلة بن نمير، ولما انتصر عليهم تقدم احد رجالات بني الحارث نحوه وقال له يا أبا علي انظر ما صنعت بالقوم.. انظر الي رمحي!
وعندما نظر عامر الي رمح الرجل، ما كان من الرجل الا ان ضربه به علي جبينه وفقأ احدي عينيه!
واورثته هذه العاهة حقدا علي الناس، فصار يفسد في الارض، ولا يرغب في السلام، ولكنه كان محبا لاراقة الدماء، وظلم الناس، كما زادته هذه العاهة بطشا، واغراه نصره علي بني الحارث ان يغير علي بني مرة بن عوف بن سعد، وبهم بعض رجالات اشجع بني ذئب، ولكنه مني بالهزيمة، ففر من المعركة عندما رأي أن الدائرة تدور عليه وعلي قومه!
فلم يكن اذن من الشجاعة بمكان، ولكنه كان شديد الغدر، وما أكثر ما يرويه الرواة عن غدره، وعن عدم التمسك بعهد تعهد به، وكان مصيره عندما اراد الغدر برسول الله، أن اصابه الله سبحانه وتعالي بالطاعون فمات.
ويقول بعض المفسرين انه نزلت فيه وبصاحبه هذه الآيات من سورة الرعد:
‘سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستحف بالليل وسارب بالنهار، له معقبات من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله، ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم واذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال، هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشيء السحاب الثقال، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال’.
الرعد: 10 : 13
* * *
وبذلك طويت صفحة هذا الجاحد الذي ظن نفسه ندا لرسول الله صلي الله عليه وسلم، وانه تصور انه من الممكن أن يكون خليفة له، رغم ما تنطوي عليه أعماقه من خسة وحقد وشتي ضروب المكر والخديعة، فكان وبال موقفه الغبي من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ان مات ميته شنيعة، بعد أن باء بالعار مع هذه المرأة السلولية، كما كان خبر تابعه الذي لم يحكم عقله وهو يري كيف عم نور الاسلام شبه الجزيرة العربية، وأضاءها بأنوار التوحيد، وجعل الناس تؤمن بمباديء الاسلام وفضائله مما غير المجتمع في شبه الجزيرة العربية تغيير كاملا.. ومع ذلك فقد اضل اربد واراد أن يضل قومه، ولكن قومه اتبعوا ما جاء به نبي الهدي، وآمنوا، وانتقم منه الله سبحانه وتعالي بتلك الصاعقة التي جعلته في الهالكين.
* * *
مراجع :
سيرة ابن هشام
حياة محمد د. محمد حسين هيكل
رجال ونساء نزل فيهم قرآن د. عبدالرحمن عميرة